السيد كمال الحيدري
230
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
والاجتماعية ، يعيد مطهّرى الجواب إلى الالتباس المنهجي الذي سقط به كثيرون في الخلط بين الإيمان بالقضاء والقدر وبين الجبر متوهِّمين وحدة الاثنين وتماثلهما : « هذا الغلط ناشئ من الخلط بين الاعتقاد بالقضاء والقدر والاعتقاد بالجبر وعدم التفريق بينهما . فالجبرية تعنى فقدان الإرادة والاختيار وأنّ الإنسان ليس هو الفاعل الحقيقي لأفعاله ، وأنّ الصفات والروحيّات التي يملكها لا تأثير لها في مصيره . فهو يردّد كالببغاوات ما يقال له من خلف الستار فحسب ، بل إنّ الفاعل الحقيقي لترديده ليس هو في الواقع ، في حين أنّه طبقاً للاعتقاد بالقضاء والقدر لا توجب الإرادة الإلهية والعلم الإلهى شيئاً إلّا عن طريق مجرى علله وأسبابه ، ومن المحال أن تتعلّق الإرادة الإلهية بشئ من غير مجرى علله وأسبابه ، لأنّ ذلك منافٍ لوحدة الله وبساطته وعلوّ ذاته المقدّسة » « 1 » . في هذا الضوء يأخذ القضاء والقدر موقعاً معاكساً تماماً للمعنى الارتكازى المغلوط في العقول والنفوس . فبالقضاء والقدر يصير الإنسان حرّاً مختاراً : « إنّ القضاء والقدر الإلهى هو الذي جعل الإنسان مطلق اليدين مختاراً حرّاً مؤثّراً في مصيره » « 2 » . هذا الفهم يجرّ مطهّرى إلى نتيجة كبيرة على المستوى الفردى والاجتماعي ، فالإنسان يفعل ما يفعله بإرادة ورضىً كامل منه ، وبالتبع لما تمليه قواه الإدراكية ، ومن ثمّ : « ليس هناك عامل يجبره على القيام بما لا يرضى به ولا يرغب فيه لا القضاء والقدر ولا أىّ عامل آخر » « 3 » . عند هذه النتيجة الحاسمة أضمّ صوتي إلى المرحوم الشيخ محمد جواد مغنية ، متسائلًا : « أبعدَ هذا يُقال بأنّ الإيمان بالقضاء والقدر يجعل الإنسان المسلم كسولًا متواكلًا يدَع أموره إلى خالقه يعملها عنه وينجزها له ؟ » « 4 » .
--> ( 1 ) الإنسان والقضاء والقدر ، مصدر سابق ، ص 109 . ( 2 ) المصدر السابق ، ص 109 . ( 3 ) المصدر السابق ، ص 88 . ( 4 ) فلسفات إسلامية ، محمد جواد مغنية ، مصدر سابق ، ص 65 .